مسرح | سينما | دراما | مع الصحافة والنقاد | قول على قول | قيل في اسعد | قراءات | معلومات شخصية | صور شخصية | الاتصال بي


الملك هو الملك وفلسفة التغيير

بعد أخذ ورد.. افتتح المسرح القومي موسمه السنوي، وكانت مسرحية (الملك هو الملك) عرضه الأول، وهي من تأليف سعد الله ونوس.. وإخراج أسعد فضة.. وتمثيل فرقة المسرح القومي، وهذه البداية نستيطع أن نعتبرها مؤشراً إيجابياً لإنتاج نوعي ناجح للمسرح القومي في هذا الموسم، بعد أن تردى إنتاجه في المواسم السابقة، مما أطلق العنان لتجار المسرح الخاص في تقديم عروضهم المبتذلة المخربة.

(الملك هو الملك) لعبة مسرحية تستخدم التراث بلغة معاصرة.. لتحكي أشياء كثيرة، هدفت منها إلى تعرية إشكالات كبيرة ومتنوعة.. سياسياً واجتماعياً.. وفكرياً.

ففي نظام (الملكية التنكرية) التي اعتمدتها المسرحية وسيلة لكشف التناقضات، كان التاجر.. وإمام الجامع يمسكان بالخيوط جميعاً من المحراب إلى السوق، ويلعبان بالناس. وبالقصر.. على حد سواء، وخلال كل ذلك.. كان السلطان غائباً في ملذاته .. وغروره، يبحث عن طريقة تقتل ضجره، فلا يجد إلا التنكر بين الشعب تسلية له، فيلبس ثياباً عادية ويصطحب وزيره، عله يرى في مشاكل الناس وجراحهم لذة تمتعه، ويتجهان إلى دار سبق لهم أن تعرفوا عليها في جولة مماثلة، فراقهم أن يسمعوا أحد الناس المخبولين واسمه (أبو عزة) يتحدث عن أحلامه في الملك والانتقام من خصومه شهبندر أحد التجار.. وشيخ الجامع اللذين جعلاه يفلس ويخسر تجارته، وبالتالي يشرب الخمرة مما يضطره للدين..والصدام مع زوجته، كل ذلك  أيقظ الرغبة في نفس الملك المتنكر إلى إعطاء قصره وردائه (ليوم و احد) لهذا المخبول الحالم بالسلطان، ويتم الملعوب، ويصبح (أبو عزة) ملكاً ولكنه يبقى ويستمر لأن حاشية الملك لا تعرف الملك بوجهه.. وشخصيته.. إنما تعرفه بردائه وتاجه وصولجانه..

(أعطني رداءً وتاجاً.. أعطك ملكاً) وبالتالي تنتهي هذه المحاكمة إلى نتيجة هي أن التغيير لا يتم بتبديل ملك بآخر، وإنما يحتاج إلى بنية متكاملة جديدة لا تعتمد على البنية القديمة، لا على أشخاصها.. ولا مفاهيمها..

ولم تقدم المسرحية ذلك عن طريق المشاهد التي تشير إلى هذه النتيجة وإنما كانت تخرج صريحة على لسان (عبيد، وصديقه زاهر) اللذين مثلا دور النضج والوعي في الشعب الذي تحكمه السلطة التنكرية الإرهابية، فقد رفض عبيد فكرة المظاهر في يوم التتويج لأن التناقضات لم تنضج بعد، كما رفض الرد بعفوية سريعة.. على أي إرهاب وإيذاء من قبل السلطان، وأصر على الاستمرار في تنكره مع كل رفاقه، كفئة تعمل في الصمت، وهي لذلك مطاردة من قبل السلطان وأعوانه، وتنكر هؤلاء مختلف عن تنكر السلطان.. وجماعة الأمن، فهو بقصد إنهاء كل حالات التنكر.. والوصول إلى المساواة.. وحصول كل الناس على حق الحياة الطيبة بدون اللجوء إلى الاستغلال.. وهذا لا يتم – كما برهنت المسرحية – بجهد فردي مهما كان متميزاً.

طروح المسرحية كانت أكبر من ذلك، فقد دخلت إلى فئات المجتمع وفرزت الزائف منها والحقيقي فعرضت لنا شخصية (أبو عزة) المواطن العادي.. ومع ذلك لا يتخلى عن أصوله البرجوازية، إذ كان تاجراً ولذلك فهو يحلم بالسلطان، والخدم والأبهة وما هذا إلا دليل على ارتباطه بأصوله ومنبته الطبقي، وتقدم لنا المسرحية تنكر مثل هؤلاء لتاريخهم وأهلهم.. وواقعهم الذي عاشوه سابقاً، فأبو عزة عندما أصبح ملكاً أنكر معرفته لزوجته وابنته، وكل مشاهداته وخصوماته التي كان يتحدث عنها وطموحه للانتقام من الشهبندر والشيخ طه، ولكن عندما تغير الميزان، وأصبحت مصلحته متفقة مع هؤلاء، نراه يقلع عن كل ماضيه، ويرفض وزيره (عرقوب) ويهدده، إذ أن هذا الأخير كان من عامة الناس ومن مسحوقيهم يتصرف بسذاجة غالباً ولا يرضى كبرياء (أبي عزة) البرجوازية.. ورأينا كيف أن الوزير السابق (الحاج محمود) باع ملكه الحقيقي.. ولم يفكر ولو ساعة.. بغير البقاء في وزارته مهما كانت الأسباب وعلى أي من الناس انعكست.

تعرضت مسرحية الملك.. إلى فئات المجتمع كلها تقريباً، وفرزت الأداة البناءة وهي الشعب الذي يعرف مواقعه ويطمح ضمن إطار جماعي إلى تحقيق أمانيه التي تنعكس خيراً على الوطن جميعاً، كما فرزت الفئات المخربة وحرضت على رفضها وعدم الاطمئنان إليها، التجار المحتكرين.. ورجال الدين الذين يستغلون الدين لمآرب نفعية جشعة، وأصحاب النفوذ الفرديين المتعاونين أيضاً مع التاجر المحتكر.. وشيخ الجامع المخادع، (على حد تعبير المسرحية).

لقد استطاع سعد الله ونوس.. وبتقنية مسرحية.. أن يوظف كل الأدوار الصغيرة والكبيرة في رسم خط الدراما الذي شكل خطاً بيانياً متصاعداً من البداية إلى النهاية ليصل إلى غاية.. هي إيصال أفكاره إلى أوسع الجماهير، ويقدم النتيجة النهائية التي أثبتها عبر المسرحية كلها بطرق مباشرة وغير مباشرة، وهي الوصول إلى رفض الأعمال الترميمية الإصلاحية واستبدالها بالأعمال الثورية المتكاملة التي تعتمد على عطاءات الجماعة لإعطاءات الفرد، وذلك عن طريق الحاكية القائلة بأن جماعة عانت ظلم وجور ملكها، فما كان منها إلا أن ذبحته وأكلته وقد شعرت من جراء ذلك بالمغص وتقيأ بعض أفرادها، ولكنهم وصلوا أخيراً إلى الشفاء والاستقرار ولم يبق تنكر ولا متنكرون.

 أما عن دور الإخراج والتمثيل والعناصر الفنية الأخرى، فقد استطاع المخرج أن يحرك الخشبة بالتعاون مع الممثلين الذين جهدوا في إيصال أفكار المسرحية وحافظوا على خط الدراما فيها، فلم تكن في العمل أدوار غير موظفة، وقد انسجم معظم الممثلين مع أدوارهم تقريباً مع وجود بعض الثغرات النسبية كالفتور الذي لمسناه في مشهد (عزة وعبيد) مثلاً، وربما يعود ذلك إلى الحركية التي تميزت بها المشاهد التي سبقته والتي جاءت بعده.

وإذا كان لنا أن نمر على بعض الأدوار التي نجحت أكثر من غيرها، فلا بد من ذكر دور عبيد (اسكندر عزيز).. وأبو عزة (عصام عبه جي) والملك (يوسف حنا) وكذلك ياسين بقوش الذي مثل دوره الكوميدي (عرقوب) بنجاح تخللته بعض الأخطاء الصغيرة في اللفظ ونسيان بعض الكلمات في دوره ربما يتجاوزها في الأيام المقبلة للعرض.

أما العناصر النسائية (أميمة طاهر.. وفايزة الشاويش) وقد قدمتا دور (أم عزة.. وعزة) فكانتا بحدود النجاح العادي وأخيراً.. مسرحية الملك هو الملك، إضافة جديدة لمسرح سعد الله ونوس وأسعد فضة اللذين تعاونا في أكثر من عمل ناجح حتى الآن مع الفارق الذي يبقى لصالح المؤلف إذ أن أعماله تحتاج إلى تقنية فنية في التمثيل خاصة، وفي الخشبة أيضاً تفوق ما شاهدناه، مع اعتبار النجاح والجهد لكل المساهمين في هذا العمل.

علي عبد الكريم.