مسرح | سينما | دراما | مع الصحافة والنقاد | قول على قول | قيل في اسعد | قراءات | معلومات شخصية | صور شخصية | الاتصال بي


عرس الدم

بقلم اسكندر لوقا

في تقديري, أن مجرد انتقاء هذه المسرحية وتقديمها على خشبة المسرح ظاهرة جريئة تستحق الثناء . إن التعامل مع لوركا ليس عملا هينا, ومع هذا فقد تمك الفنان أسعد فضة من تجسيد أفكار المؤلف تجسيدا موفقا في إطار من الممثلين الذين لم تكتمل لديهم بعد أسباب التصدي لتمثل هذه المسرحية في ضوء خبراتهم السابقة .

ولا تعني في هذه الملاحظة, في أي حال من الأحوال انتقاصا من قدر أحد من هؤلاء الممثلين الذين طالما تحدثت عن نجاحاتهم غير أن الامر , كان يقتضي التريث بعض الوقت, حتى يعطي عطاؤهم , مجتمعين, العطاء الذي تتطلبه مسرحية كمسرحية ( عرس الدم ) التي تصور حقا وكما ذكر المخرج المسرحية نفسه صراع الإنسان مع نفسه, وصراعه مع التقاليد, وصراعه مع الحياة والخنجر الذي لا يضل طريقه إلى الصدور .

وربما أوضحت السطور المقبلة ما أعنيه بالضبط .

المسرحية, تدور حول خلاف عميق الجذور بين أفراد اسرتين رائحة الدم تفوح من الحوار أول ما يستقبل المتفرج المشهد الافتتاحي . ثمة قتيل وقاتل ولابد من أخذ الثأر. وفي ايطار هذا الموقف قصة حب لم تكتمل . الحب الذي كان يربط يوما ما بين ليونارد ( أسعد فضة ) وبين الخطيبة ( مها صالح ) . ولكن الحب يطعن من الخلف بسبب ما ويتزوج ليونارد من امرأة أخرى ( هيلدا زخم ) . أما الخطيبة فإنها تزف إلى رجل آخر يهيم بها ( سليم صبري ) . وفي ليلة الزفاف, وبعد العودة من الكنيسة, يبعث الماضي كله من جديد . ومن جديد تفوح رائحة الدم . تهرب العروس مع ليونارد الذي يخلف وراءه زوجة وطفلا وقبل أن يمتلك فتاته يقتتل مع الزوج البائس فطعن كل منهما الآخر . ويختنق صوتهما في بطن الوادي حتى الأبد . وعندئذ ترثي الأم ( ثناء دبسي ) ولديها الأول الذي قتل في ما مضى والثاني الذي قتل ليلة العرس الأولى . وتصطبغ حياة الجميع . مرة أخرى . وبمزيد من الحدة باللون الأحمر . لون الدم .

وضمن هذا الإطار الواسع للقصة, تفاصيل لا قيمة لها . الأدوار الرئيسية إذا محدودة . الأم . الخطيب . الخطيبة. ليونارد . تم تأتي الأدوار المساعدة : امرأة ليونارد . القمر . الموت . ( وقد جيء بهما ليرمزا إلى الجريمة قبل وقوعها ليوضحا بعض جوانب الحدث المرتقب ) .

ومن بعد ذلك تأتي بقية الأدوار الجارة . حماة ليونارد . الفتاة الأولى والفتاة الثانية  . الخادمة . والد العروس . الحطابون الثلاثة .

وقد كان لزاما على مخرج المسرحية أن يسند الادوار الرئيسية  الأخرى المساعدة إلى ممثلين قادرين. ولم يخب رجاء المتفرج بالأم التي تركزت حولها حواس الجمهور باعتبارها العنصر المحرك للمأساة, وأعطت ( ثناء الدبسي ) من نفسها ما يتطلبه دورها من مظاهر الثبات على المبدأ, واحتضان فكرة الحقد والمناداة بشعائر الثأر, كأية ممثلة عريقة . وكما كانت ( ثناء )رائعة في مسرحية ( هواية الحيوانات الزجاجية ) كذلك جاء دورها رائعا في مسرحية ( عرس الدم ) .. بل أروع .

أما الآخرون الذين تقاسموا معها الأدوار الرئيسية, فقد قصروا إلى حد ملحوظ في ملء أبعاد أدوارهم, باستثناء المشهد الذي ضم ليونارد والعروس قبل أن يضع الخنجر حدا فاصلا للموقف ويقول كلمته الأخيرة في قصة الثأر الماضي . هذا المشهد الدافئ, إلى جانب مشهد الخطيبة والخادمة إثر طلب يد الأولى, جعل ( مها صالح ) تحتل المكانة الثانية في هذه المسرحية في حين تخلف عنها الآخران : ليونارد و الخطيب .

والفرق هنا, كما أوضح دائما ليس في اتقان الحركة أو اللغة وإنما في التقمص الذي يجعل المتفرج أنه, حقا, أمام مشهد لا تمثيل فيه . ربما كان أسلوب ( أسعد فضة ) في الإلقاء عامل انقاص من قيمته كفنان أصيل وربما كان السبب نفسه بالنسبة إلى زميله ( سليم صبري ) . غير أن الذي لا شك فيه مطلقا, هو أننا مع هذين الفنانين لم نكن جزءا من القضية يل وقفنا على هامشها ...

وإذا انتقلنا إلى الأدوار المساعدة الثلاثة في المسرحية : امرأة ليونارد . القمر ( يوسف حنا ) . الموت ( أحمد عداس )لوجدنا أمامنا عطاء ذاخر بالحياة جسده لنا ( أحمد عداس ) فهو على قصر دوره نقلنا إلى صميم الدور, وليس الأمر بمستغرب فأحمد عداس واحد من كبار ممثلينا, وقد أحسن اختياره لهذا الدور الدقيق الذي يتطلب إشاعة الجو النفسي المطلوب الممهد لوقوع الجريمة من جهة وتقبلها من جهة أخرى. ورديفه في هه المهمة ( يوسف حنا ) لم يكن أقل منه إجادة في العطاء كان يفتقر إلى الحياة التي اصطبغ بها دور ( الموت ) .

وما بقي من الأدوار لا يستدعي التوقف عندها طويلا . ليس لعدم جدواها في انضاج الفكرة, وإنما أيضا لألوانها افنية الباهتة . وإن كنت استثني والد العروس ( محمد خير حلواني ) والخادمة ( هالة شوكت ) فلأنهما لعبا دورهما بإخلاص, وان يكن الشطط الذي تبدى في دور والد العروس مسيئا بعض الشيء, ولا أدري إذا كانت السخرية هنا من متطلبات الموقف الذي رسمه دور والد العروس أم لا . وما عدا ذلك كان يمكن الاستغناء عنه : الفتاة الأولى والفتاة الثانية, الحطابون الثلاثة . حماة ليونارد باستثناء الجارة ( بهاء سمعان ) . أقول ذلك لسببين أولهما الفشل الذي حققته كل من( فايزة شاويش ) و ( نهلة سباهي ) و ( اسكندر عزيز ) . والثاني لإمكانية إبعاد الألغاز عن جو المسرحية التي قدمت شعرا وكان بالمستطاع التدخل لإيضاح المعاني المطلوبة بأسلوب نثري .

شيء آخر قبل أن نطوي هذه العجالة إلى لقاء جديد مع ( العنب الحامض ) لابد من الإشارة إليه والإشادة به هو الديكور الذي أضفاه ( خزيمة علواني ) على أحداث المسرحية الأمر الذي جعلها تدور في مكان أوسع وأرحب مما هو عليه جانب اشاعته الجو المطلوب حولها, كذلك بالضبط الحركات والإيقاعات التي تتطلبها تلك الأحداث, وقد كان هذا الجانب من جوانب مسرحية ( عرس الدم ) يشهد لمخرجها بكفاءته الممتازة ..